فخر الدين الرازي

235

تفسير الرازي

فعليه الغرامة ، ومن وفر فله الكرامة . ومنهم من قال هو قول لا إله إلا الله وهو بعيد فإن السماوات والأرض والجبال بألسنتها ناطقة بأن الله واحد لا إله إلا هو ، ومنهم من قال الأعضاء فالعين أمانة ينبغي أن يحفظها والأذن كذلك واليد كذلك ، والرجل والفرج واللسان ، ومنهم من قال معرفة الله بما فيها والله أعلم . المسألة الثانية : في العرض وجوه منهم من قال المراد العرض ومنهم من قال الحشر ومنهم من قال المقابلة أي قابلنا الأمانة على السماوات فرجحت الأمانة على أهل السماوات والأرض . المسألة الثالثة : * ( في السماوات والأرض ) * وجهان أحدهما : أن المراد هي بأعيانها ، والثاني : المراد أهلوها ، ففيه إضمار تقديره : إنا عرضنا الأمانة على أهل السماوات والأرض . المسألة الرابعة : قوله : * ( فأبين أن يحملنها ) * لم يكن إباؤهن كإباء إبليس في قوله تعالى : * ( أبى أن يكون مع الساجدين ) * ( الحجر : 31 ) من وجهين أحدهما : أن هناك السجود كان فرضاً ، وههنا الأمانة كانت عرضاً وثانيهما : أن الإباء كان هناك استكباراً وههنا استصغاراً استصغرن أنفسهن ، بدليل قوله : * ( وأشفقن منها ) * . المسألة الخامسة : ما سبب الإشفاق ؟ نقول الأمانة لا تقبل لوجوه أحدها : أن يكون عزيزاً صعب الحفظ كالأواني من الجواهر التي تكون عزيزة سريعة الانكسار ، فإن العاقل يمتنع عن قبولها ولو كانت من الذهب والفضة لقبلها ولو كانت من الزجاج لقبلها ، في الأول لأمانه من هلاكها ، وفي الثاني لكونها غير عزيزة الوجود والتكليف كذلك والثاني : أن يكون الوقت زمان شهب وغارة فلا يقبل العاقل في ذلك الوقت الودائع ، والأمر كان كذلك لأن الشيطان وجنوده كانوا في قصد المكلفين إذ الغرض كان بعد خروج آدم من الجنة الثالث : مراعاة الأمانة والإتيان بما يجب كإيداع الحيوانات التي تحتاج إلى العلف والسقي وموضع مخصوص يكون برسمها ، فإن العاقل يمتنع من قبولها بخلاف متاع يوضع في صندوق أو في زاوية بيت والتكليف كذلك فإنه يحتاج إلى تربية وتنمية . المسألة السادسة : كيف حملها الإنسان ولم تحملها هذه الأشياء ؟ فيه جوابان أحدهما : بسبب جهله بما فيها وعلمهن ، ولهذا قال تعالى : * ( إنه كان ظلوماً جهولاً ) * . والثاني : أن الأشياء نظرت إلى أنفسهن فرأين ضعفهن فامتنعن ، والإنسان نظر إلى جانب المكلف ، وقال المودع عالم قادر لا يعرض الأمانة إلا على أهلها وإذا أودع لا يتركها بل يحفظها بعينه وعونه فقبلها ، وقال : * ( إياك نعبد وإياك نستعين ) * ( الفاتحة : 5 ) . المسألة السابعة : قوله تعالى : * ( إنه كان ظلوماً جهولا ) * فيه وجوه أحدها : أن المراد منه آدم ظلم نفسه بالمخالفة ولم يعلم ما يعاقب عليه من الإخراج من الجنة ثانيها : المراد الإنسان يظلم بالعصيان ويجهل ما عليه من العقاب ثالثها : إنه كان ظلوماً جهولا ، أي كان من شأنه الظلم والجهل